أحمد بن علي القلقشندي

194

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

المحروسة مخصوصة من أوليائنا بمن يعدّ بأسه لها أوقى الجنن وذبّه عنها أقوى السّلاح . نحمده على نعمه الَّتي عوارفها عميمة ، وطوارفها كالتّالدة للمزيد مستديمة ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تنطق الضمائر قبل الألسنة بإخلاصها ، وتشرق القلوب بعموم إحاطتها بها واختصاصها ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي أشرقت بنور ملَّته الظَّلم ، وارتوت بفور شريعته الأمم ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين امتطوا إلى جهاد أعداء اللَّه وأعدائه غارب الهمم ، صلاة سارية كالرّياح هامية كالدّيم ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى ما عقد عليه في صيانة الحصون الخناصر ، واعتمد على مثله في كفاية المعاقل إذا لم يكن غير تأييد اللَّه وحدّ السّيف ناصر - من هو في حفظ ما يليه كالصّدور الَّتي تصون الأسرار ، والكمائم التي تحوط الثّمار ، مع اليقظة الَّتي تذود الطَّيف أن يلمّ بحماة حماه ، والفطنة الَّتي تصدّ الفكر أن يتخيّل فيه ما اشتمل عليه وحواه ، والأمانة الَّتي ينوي فيها طاعة اللَّه وطاعة رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وطاعتنا الشريفة ولكلّ امريء ما نواه . ولما كان فلان هو السيف الَّذي تروق تجربته ويروع تجريده ، وإذا ورد في الوغى منهل حرب فمشرعه من كلّ كميّ وريده - اقتضت آراؤنا الشريفة أن نرهف حدّه بحفظ أسنى الحصون عندنا مكانا ومكانة ، وأسمى المعاقل رفعة وعزة وصيانة . فرسم بالأمر الشّريف أن تفوّض إليه النيابة بقلعة كذا . فليباشر هذه النّيابة السّامي قدرها ، الكامل في أفق الرّتب بدرها ، مباشرة تصدّ الأفكار ، عن توهّمها ، والأبصار ، عن توسّمها ، والخواطر ، عن تخيّل مغناها ، والسّرائر ، عن تمثّل صورتها ومعناها . وليكن لمصالحها متلمّحا ، ولنجوى رجالها متصفّحا ، ولأعذار حماتها مزيحا ، وللخواطر من أسباب كفايتها مريحا ، ولمواطنها عامرا ، وبما قلّ وجلّ